تابع للمداخلة الازمة اللبنانية

اذهب الى الأسفل

تابع للمداخلة الازمة اللبنانية

مُساهمة  اللواء في الأحد يونيو 22, 2008 1:53 pm

سابعا: تنفيذ الاصلاحات الدستورية:
على اثر اتفاق الطائف استعاد المجلس النيابي دوره وانتخب رئيسا للجمهورية بعد أن كانت الرئاسة شاغرة لأكثر من سنة، وتم تشكيل حكومة وحدة وطنية استطاعت إنهاء حالة الحرب وإزالة خطوط التماس بين المناطق وتوحيد مختلف مؤسسات الدولة وحل الميليشيات. وكان الانجاز الأكبر والأبرز هو استعادة الجيش اللبناني لوحدته التي مكنته من حفظ الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة على كافة الاراضي اللبنانية وتوفير الدعم للمقاومة في تحرير الأراضي التي كانت تحتلها إسرائيل..وانطلقت مشاريع إعادة البناء وتأهيل للبنى التحتية وغيرها من المشاريع، الأمر الذي أدى إلى تراكم المديونية وعدم السيطرة على العجز الكبير في الموازنة.
ولا بد من الإشارة إلى فشل الحكومات المتعاقبة، أو عدم رغبتها، في تطبيق بنود وثيقة الوفاق الوطني والتي تشكل أساسا متينا لبناء دولة المؤسسات وهي: عدم وضع قانون عصري للأحزاب السياسية الذي يشكل مع قانون انتخابي يؤمن الانصهار الوطني والتمثيل العادل لكل فئات الشعب، وقانون اللامركزية الإدارية، القاعدة الثلاثية الأساسية لتطور النظام السياسي وتأهيله للانتقال التدريجي نحو نظام ديمقراطي برلماني حقيقي. إضافة إلى إهمال مسالة الإنماء المتوازن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتفعيل المشاركة الشعبية الديمقراطية، وعدم صدور القوانين الضامنة لاستقلالية السلطة القضائية، وعدم البدء بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية ،
إن الانتقائية في تطبيق بنود اتفاق الطائف وخاصة عدم تنفيذ البند المتعلق بإعادة انتشار القوات السورية الذي كان مقررا في صيف العام 1992، خلقت مناخا من عدم الثقة عند بعض القوى المسيحية التي اتهمت السلطة بالعمل على تهميش المسيحيين، ولذلك امتنعت عن المشاركة في الانتخابات النيابية التي جرت في نفس العام احتجاجا على قانون الانتخاب الذي لم يعتمد مبدأ المساواة بين الدوائر الانتخابية بل وضع مراعاة لقوى سياسية معينة.
1- حكم الترويكا:
كان اتجاه التعديلات الدستورية واضحا لجهة تغليب الانتقال من دولة الرؤساء إلى دولة المؤسسات ومواءمة المسؤولية للصلاحية وإرساء مبدأ الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات، أي إعادة "إجلاس النظام البرلماني على قاعدته بعدما كان مقلوبا على رأسه". إلا أن الواقع لم يؤد فقط إلى إقامة توازن جديد في مجلس الوزراء بين الطوائف التي تشترك في رسم سياسة الحكم والاستفادة من مغانمه، بل أدى إلى حصر عملية اتخاذ القرار بالرؤساء الثلاثة أي ما يعرف باسم"الترويكا".
ارتكزت الترويكا على الصلاحيات الدستورية التي ضمنت لكل من الرؤساء الثلاثة نفوذا موازيا للآخر، وارتبطت بموازين القوى الجديدة التي أمنت للطوائف الثلاث الكبرى(المارونية والشيعية والسنية)مواقع متوازنة من خلال الرئاسات والحقائب الوزارية والمقاعد النيابية المخصصة لكل منها. وهذه الصيغة "التوافقية" لا تتعارض مع دولة القانون والمؤسسات بالمبدأ إذا كانت تهدف إلى تسهيل التعاون بين السلطات في الحقول المشتركة بينها ولا تتدخل في الميادين المحجوزة لكل منها؛ أما أن تتحول " إلى وسيلة لاقتسام الحصص والنفوذ، وتختزل المؤسسات بمن هم على رأسها، وتربط العلاقة بين السلطتين التشريعية والإجرائية بالعلاقة بين الرؤساء التي هي ،أحيانا،علاقات متقلبة تستبد بها الأهواء والمصالح، وهذا ما حدث في أكثر من مناسبة حيث حصلت خلافات بين أهل الحكم تمت تسويتها بمقايضة المنافع والمصالح الطائفية بين القيمين على السلطات بعيدا عن احترام النصوص الدستورية. ولذلك يصبح من البديهي القول أن حكم الترويكا يتعارض مع مبادئ النظام البرلماني الديمقراطي،ويضعف رقابة مجلس النواب على الحكومة، ويعيق أداء المؤسسات الدستورية لمهامها.ولكي لا تعيق المشاركة الطائفية عمل المؤسسات الدستورية فيجب أن تتم على صعيد الحكومة وليس على مستوى الرئاسات الثلاث التي يجب أن تبقى متحررة من القيود الطائفية.
2-التعديلات بعد اتفاق الطائف:
[1]- التعديل المؤقت الصادر في 19 \10 \1995
كان المرشحان الأوفر حظا لرئاسة الجمهورية هما الرئيس الياس الهراوي وقائد الجيش العماد إميل لحود. والاثنان على علاقة وثيقة مع النظام السوري.إلا أن انتخاب أيا منهما تحول دونه قيود دستورية نصت عليها المادة 49 من الدستور؛ فالفقرة الثانية من هذه المادة لا تجيز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا بعد ست سنوات على انتهاء ولايته، والفقرة الثالثة تحول دون انتخاب القضاة وموظفي الفئة الأولى(وقائد الجيش منهم) قبل انقضاء سنتين على استقالتهم من وظائفهم.وبالفعل تم الاقتراح بتعديل الفقرتين المذكورتين لإبقاء الخيارات التي تفرضها الظروف؛ وبالنتيجة تم التمديد للرئيس(الياس الهراوي) بإضافة فقرة إلى المادة المذكورة وهي:" لمرة واحدة، وبصورة استثنائية، تستمر ولاية رئيس الجمهورية الحالي ثلاث سنوات تنتهي في الثالث والعشرين من تشرين الثاني(نوفمبر)1998 ". وهذا التعديل يخالف الدستور لأنه حصل لمصلحة شخص، ولأن التصويت على قانون التعديل لتمديد ولاية رئيس الجمهورية جرى برفع الأيدي وليس بالاقتراع السري بحسب الدستور.


[2]- التعديل المؤقت الصادر في 13 \10 \1998
كان الغرض من التعديل هو تسهيل انتخاب قائد الجيش إميل لحود رئيسا للجمهورية .وهذا ما حصل بالفعل حيث اقر مجلس النواب تعديل الفقرة الثالثة من المادة 49 كالتالي:" لمرة واحدة، وبصورة استثنائية، يجوز انتخاب رئيس الجمهورية من القضاة أو موظفي الفئة الأولى، وما يعادلها في جميع الإدارات والمؤسسات العامة وسائر الأشخاص المعنويين في القانون العام".
يبدو إن جميع التعديلات المؤقتة كانت لحل مشكلات آنية أو نتيجة تسويات سياسية، ولم تسلم من الانتقادات القانونية لأنها تخالف القواعد الدستورية التي تتصف بالثبات ولا تتأثر بالظروف السياسية أو المصالح الشخصية.
[3]- التعديل المؤقت الصادر في 3 \9 \ 2004:
أظهرت المؤشرات الموضوعية خلال العام 2004 صعوبة التمديد للرئيس إميل لحود خاصة وأن أصوات نيابية متعددة أعلنت رفضها للتجديد أو التمديد بما فيهم الرئيس رفيق الحريري، الذي يرأس كتلة نيابية كبيرة، مما يحول دون توفر العدد اللازم من النواب لتعديل الدستور.إلا أن هذا الأخير، وبعد لقائه مع الرئيس السوري، أعلن موافقته على التمديد "مراعاة لسوريا" التي كانت قد أعلنت موافقتها على تمديد ولاية الرئيس لحود لمدة ثلاث سنوات ،الأمر الذي أدى إلى تفجر أزمة بين دمشق وقوى لبنانية بارزة.
ثامنا: التعديل الدستوري الأخير والانقسام اللبناني:
كان القرار السوري بالتمديد للرئيس لحود هو السبب المباشر لصدور قرار مجلس الأمن(رقم1559) في2 \9 \2004 ، بمبادرة مشتركة من باريس وواشنطن، الذي طالب بسحب جميع القوات الأجنبية من لبنان في إشارة واضحة لانسحاب الجيش السوري بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي في أيار عام 2000. أما السبب غير المباشر للقرار الدولي، الذي احدث تحولا جذريا في موقف المجتمع الدولي تجاه لبنان وموقعه السياسي كحليف استراتيجي لسوريا، فهو القرار الأمريكي بإنهاء تفويضها لسوريا في إدارة الملف اللبناني. وفي14 \2 \2005 اغتيل الرئيس الحريري فسارعت المعارضة إلى اتهام سوريا والأجهزة الأمنية اللبنانية بتدبير الانفجار، وطالبت بإجراء تحقيق دولي حاولت الحكومة اللبنانية بداية أن تتهرب منه بحجة تعارضه مع السيادة، ولكنها اضطرت لاحقا إلى الموافقة تحت ضغط الرأي العام والمعارضة.
وبعد اغتيال الحريري تسارعت الأحداث وشهد لبنان سلسلة أزمات متواصلة أبرزها الخلاف حول: قانون الانتخاب، خاصة بعد إجراء الانتخابات النيابية عام 2005 حيث صوتت الطوائف لزعمائها ولم تتغير الذهنية المحكومة بالعصبية الطائفية،انسحاب الجيش السوري من لبنان، تواصل مسلسل الاغتيالات، المحكمة الدولية، القرارات الدولية (1559 و1701 الذي صدر بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006)،العلاقات اللبنانية السورية، الاستحقاق الرئاسي..
وبالنتيجة انقسم اللبنانيون إلى فريقين: الأول هو فريق الثامن من آذار الذي يضم " حلفاء سوريا (حزب الله، حركة أمل، وآخرون) والذي ترجمت مواقفه بتدرج تصاعدي حيث استقال الوزراء الشيعة من الحكومة في 11\11\2006، ثم نفذوا اعتصاما في قلب بيروت لإسقاط حكومة السنيورة "غير الشرعية وغير الدستورية" بعد أن اتهموها بأنها ليست سوى أداة في يد السياسة الأمريكية،ورفضوا المشاركة في تأمين نصاب جلسات مجلس النواب من اجل انتخاب رئيس جديد للجمهورية إلا بعد الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وحصولهم على "الثلث الضامن".والثاني هو فريق 14 آذار( تيار المستقبل، الحزب التقدمي الاشتراكي، القوات اللبنانية، حزب الكتائب..) الذي اتهم المعارضة بالتفريط بالسيادة والاستقلال والتغيير الديمقراطي ونسف اتفاق الطائف، وبالسعي إلى إعادة نظام " الهيمنة والوصاية" السورية إلى لبنان.
إن الانقسام بين الفريقين المتصارعين ليس من طبيعة طائفية بحتة إذ يضم كل منهما مسيحيين ومسلمين وعلمانيين، كما أنه ليس انقساما سياسيا بالمعنى الضيق لأنه يتجاوز الخلاف على إدارة الدولة بين أكثرية ومعارضة إلى الخلاف على طبيعة الدولة ودورها.إن أعمق ما في هذا الخلاف هو البعد الثقافي حيث تتواجد نظرتان مختلفتان إلى العالم، ثقافة تقوم على السلام والعيش المشترك تؤمن أن شرط الحياة في مجتمع يتميز بالتنوع تكمن في سيادة القانون وشموله العدالة لكل فئات المجتمع، وأخرى تقوم على ثقافة العنف بهدف استبعاد الآخر المختلف أو استتباعه، وتنظر إلى الطوائف على أنها مهددة باستمرار في وجودها، وبالتالي على كل واحد منها السعي إلى تامين حمايتها بمعزل عن الآخرين وغالبا في مواجهتهم. وهي ثقافة تستل عاملي الكبت والخوف لدفع الطوائف إلى التماس الحماية الخارجية في محاولة لتعديل موازين القوى الداخلية بدعم من الخارج ووفقا لشروطه.
وانتظر اللبنانيون حصول الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، على أمل أن يكون انتخاب الرئيس الجديد مؤشرا لمرحلة تحمل سلاما واستقرارا للبنان؛ إلا أن المجلس النيابي لم يقم بوظيفته الدستورية ولم يتمكن من الانعقاد نتيجة التفسيرات المتضاربة حول النصاب المطلوب لانتخاب الرئيس، وهل هو: الأكثرية المطلقة أم أكثرية الثلثين؟
وعندما عجز اللبنانيون عن معالجة أزمتهم الداخلية عبر الاحتكام للنصوص الدستورية ابتدأت المبادرات الخارجية.وبعد فشل المبادرة الفرنسية المدعومة أوروبيا في حل تعقيدات الأزمة اللبنانية انطلقت مبادرة جامعة الدول العربية ، التي حصلت على تأييد دولي مشابه للإجماع حول اتفاق الطائف، التي ترتكز على ثلاث نقاط وهي: الانتخاب الفوري لرئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة عدم الاستئثار بالسلطة وعدم تعطيلها، أي يجب ألا يكون في يد الأكثرية الثلثين في مجلس الوزراء وألا يكون في يد المعارضة الثلث المعطل، ويكون صوت فريق رئيس الجمهورية التوافقي (ميشال سليمان) هو الصوت المرجح، والاتفاق على قانون الانتخاب.
وهكذا أثبتت الوقائع أن بعض التعديلات الدستورية أسهمت في حل بعض الأزمات اللبنانية وان بعضها الآخر كان سببا في تفجر أزمات.. وقد يكون لبنان، مع نجاح المبادرة العربية أو فشلها في حل الأزمة الحالية، على مفترق طرق، فإما أن يتمكن اللبنانيون من تجاوز الاستحقاق الرئاسي تمهيدا لتسوية أزمتهم المتعددة الوجوه والأبعاد، وإما يذهب لبنان نحو المصير المجهول نتيجة للتمزق الداخلي والتدخل الخارجي .

اللواء

المساهمات : 109
تاريخ التسجيل : 22/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.islamweb.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى