دولة الدستور والقانون ضرورة انسانية وعصرية

اذهب الى الأسفل

دولة الدستور والقانون ضرورة انسانية وعصرية

مُساهمة  anarisse في السبت فبراير 23, 2008 1:57 am

محمود محمد الناكوع
دولة الدستور والقانون ضرورة انسانية وعصرية

فى هذه المقالة سوف اتناول مسألتين مهمتين المسألة الاولى: ضرورة دولة الدستور والقانون والمسألة الثانية: مشروع دستور لدولة المستقبل فى ليبيا.
وابدأ المسألة الاولى انطلاقا من تجربة قد عاشها ومازال يعيشها كل من صار مواطنا فى احدى الدول الديمقراطية الغربية وخاصة فى اوربا الغربية والولايات المتحدة وكندا واستراليا وما شابه تلك الدول. ان هذه الدول هي التى اعطت قيمة عملية حقيقية للقوانين، ولذلك تظل هي المرجع والمثل الذى يمكن الاستفادة منه.
ان المواطن فى هذه البلدان يستطيع ان يحصل على جل ما يريد من حقوقه عن طريق البريد او عن طريق الهاتف، وفى حالات نادرة يذهب الى المؤسسة التى له مصلحة بها فيقف فى صف الانتظار حتى ياتى دوره ويقضى مصلحته، او يضرب له موعد لذلك الأمر. وفى هذه البلدان لا يحتاج المواطن الى السياسى لكي يساعده على الحصول على حقوقه ، لكن السياسى هو الذى يحتاج الى المواطن العادى لينتخبه نائبا فى البرلمان ثم يصبح رئيسا للحكومة او وزيرا بها ليحقق للشعب مطالبه طبقا لسياسات معينة. وكل مؤسسات الدولة هي فى خدمة المواطن، وفى مقدمة تلك المؤسسات الأمن او الشرطة التى تجوب الشوارع نهارا وليلا من اجل امن المواطن وحمايته من اي اعتداء، او القبض عليه اذا خالف النظام العام او اية قوانين اخرى.
هكذا تسير الحياة فى الدولة العصرية الديمقراطية النيابية فى يسر وسلاسة لأنها دولة القانون الذى لا يحابى احدا على حساب الآخرين، ولا تتعطل مصالح الناس وهم يلهثون وراء الوسطاء والمرتشين كما الحال فى البلدان القائمة على الاستبداد وحكومة الفرد او العائلة او الحزب الواحد، وكما هو الحال فى ليبيا اليوم بشهادة كثير من التصريحات والتقارير الرسمية.
وفى هذه البلدان هناك عدد من المستشارين القانونيين فى كل منطقة ( بلدية) مهمتهم ان يشرحوا للمواطن حقه فى اي مسألة من المسائل الاجتماعية او الاقتصادية او الوظيفية او غير ذلك من المسائل، وهناك مؤسسات اخرى كثيرة كلها فى خدمة المواطن وتسهيل اموره فى الحياة اليومية، وجميعها تقدم الخدمات للمواطن مجانا، اي من ميزانية الدولة. وياتى كل ذلك بفضل دولة القانون، التى يتساوى فيها المواطنون ، وفيها كل مؤسسات الدولة فى خدمة المواطن الذى هو بدوره يعمل ويدفع الضرائب ويحاسب الحكام ويعزلهم وينصبهم عن طريق صناديق الاقتراع.
الدستور هو تلك الوثيقة التى تنص على القواعد العامة التى تحدد شكل النظام السياسى، وتحدد الحقوق العامة للمواطن، وتحدد واجبات رئيس الدولة ، كما تحدد العلاقات بين الدولة والمجتمع وبين مؤسسات الدولة.
ولاشك ان الدستور والقوانين لا تعمل بطريقة سحرية ولا تنظم العلاقات بين الناس بصورة تلقائية ، بل ان تطبيق الدستور والقوانين يتطلب قوة شرعية تعمل على صيانة واحترام تلك القوانين، ومن بين تلك القوى المؤسسات الرقابية ومنها المؤسسة الاعلامية التى تشمل كل وسائل الاعلام المقروء والمسموع والمرئ، والتى تلاحق المسئولين وتسجل اي خطأ يرتكبونه سواء كان صغيرا او كبيرا.
ان دولة الدستور والقانون هي ضرورة انسانية لأن الدولة الحديثة تتدخل فى تنظيم تفاصيل الحياة اليومية لصالح المواطن من الطعام الى الشراب الى التعليم والصحة والمواصلات وكل الخدمات بحكم دورها فى تسيير شئون البلاد والمجتمع طبقا للقوانين والسياسات التى تعهد الحزب الحاكم بانجازها. ومالم تتحمل الدولة مسئولية تنظيم الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، فان الفوضى ستحل محل النظام وبذلك تضيع حقوق الافراد وخاصة الضعفاء منهم وهو الحال الذى تعانى منه ليبيا وغيرها من الدول المتخلفة.
ودولة الدستور والقانون ضرورة عصرية لأن المجتمع يحتاج الى خدمات منظمة، ويحتاج الى حماية مصالحه. والعلاقات الدولية متشابكة والمصالح لا يمكن المحافظة عليها وتنميتها داخل الوطن الواحد او عبر الاوطان الاخرى الا اذا نظمت وضبطت بالقانون .وقد لا حظنا ان الدول الاوربية وغيرها تضغط على النظام فى ليبيا من اجل ان يغير قوانينه او يحدث قوانين جديدة تتلاءم مع العولمة وما تتطلبه من ضوابط قانونية وتنظيمية اضافة الى سلوك شفاف.
فى دولة القانون تعلن بكل وضوح ودقة جميع موارد البلاد وتعرف ميزانية الدولة بكل تفاصيلها، وتطرح فى وسائل الاعلام ويتناولها الخبراء بالتحليل والنقد، ولا يستطيع رئيس الدولة او اولاده او حاشيته ان يتمتعوا باي قدر من المال الا رواتبهم ومخصصاتهم التى يحددها القانون. (وهذه القواعد التى قد صارت قضايا بديهية فى الغرب، لم تزل مجهولة او غريبة او منفورا منها فى الشرق، لأنها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم، وعند البعض لم تنل التفاتهم وتدقيقهم، وعند آخرين لم تحز قبولا لأنهم ذوو غرض، او مسروقة قلوبهم، او فى قلوبهم مرض) الكواكبى - طبائع الاستبداد.
لكل هذه الدوافع والأسباب يعمل الحاكم المستبد على تجاهل اهمية (الدستور والقوانين) المقيدة لحريته وعبثه بالسلطة وبمقدرات البلاد، ويحاول باستمرار العمل على منع الناس حتى من الحديث عن مسألة الدستور والاحتكام اليه. واذا وضع دستورا او اي وثيقة اخرى يفصلها كما يريد هو لا كما يجب ان تكون لكل الشعب.
ان تحقيق دولة الدستور والقانون التى نضجت فى الدول الغربية الديمقراطية جاءت بعد نضال طويل وشرس، وشارك فى غرسها ورعايتها وتطويرها مفكرون وسياسيون ورجال اعمال واصحاب مصانع واناس عاديون ومنهم فئة العمال ونقاباتهم، وهي التى ادت الى ازدهار الغرب كما نراه الآن ......
فى ليبيا المستقبل ... حيث سيعاد بناء دولة الدستور والقانون بناء صحيحا لابد من التأكيد ان ينظر الى هذه المسألة بجدية وحزم على اساس انها (ضرورة انسانية وضرورة عصرية) ولا ينظر اليها من باب تقليد الغرب فقط، وان كان التقليد فى هذه الحالة فضيلة من الفضائل ..... فلا استقرار، ولا تقدم، ولا ازدهار، ولا ابداع ، ولا عدالة اجتماعية واقتصادية، ولا صحافة، ولا حرية ولا امن الا فى دولة قائمة على اسس دستورية، وتطبق فيها القوانين على جميع المواطنين دون اسثناء. هذا هدف كبير وغال الثمن، وهو هدف اهل الطموحات الكبيرة ويستحق ان تجتمع حوله كل التيارات الفكرية، والتنظيمات السياسية، وكل القوى الوطنية فى داخل الوطن وخارجه. دولة الدستور والقانون هي التى تحمى الجميع من الظلم، وهي التى تمنحهم حقوقهم وتعزز حريتهم و كرامتهم الآدمية.
وعلينا ان نتذكر ان الشعب الليبى قد وضع اول دستور له فى السابع من اكتوبر عام 1951 برعاية الامم المتحدة وعن طريق جمعية وطنية ممثلة للشعب بما تيسر له فى ذلك الوقت الصعب من امكانات ومن قدرات تجسدت فى توافق وطني تجاوز كل الصعوبات وانتهى الى اصدار وثيقة الدستور التى وضعت الأساس لأول دولة مستقلة فى ليبيا.
لم يتمكن الشعب الليبى ــ لأسباب كثيرة ــ فى ذلك الوقت من انتخاب جمعية وطنية عن طريق صناديق الاقتراع ، لكن فى وقتنا هذا اصبح الأمر ممكنا وسهلا اذا وجدت الارادة السياسية الوطنية المخلصة .
وانطلاقا من الضرورات التى ذكرتها، ونظرا لوجود توجه سياسي كبير يتبنى الدعوة الى وضع دستور جديد للبلاد، وفى الوقت الذى نقترب فيه من ذكرى اصدار الدستور الليبى الأول(7 اكتوبر)، رأيت ان اذكر باهمية احياء تلك الذكرى، والدعوة الى تطوير تلك الوثيقة التاريخية والبناء على ما فيها من مواد صالحة مع تعديل كل مادة لا تصلح لهذا الزمان، وان تنطلق القوى الوطنية لوضع مشروع او اكثر لدستور ليبيا المستقبل ، التى تحلم الاجيال بان تراها وتشارك فى بنائها وقد تحققت فيها شروط الدولة العصرية الدستورية الديمقراطية النيابية.
ان الكتابة عن الدستور وعن وثيقة الدستور الاولى لاتعنى ــ عندى ــ العودة الى الملكية، كذلك التغنى بفقرات من نشيد الاستقلال، او رفع علم الاستقلال فى بعض المناسبات، لا تعنى نزوعا نحو الملكية. ان وثيقة الدستور، والنشيد الوطنى، وعلم البلاد بالوانه الثلاثة هي من منجزات دولة الاستقلال، وهي جزء من تاريخ ونتائج جهاد الشعب الليبى وهي ملك لجميع الأجيال ولكن من حق الأجيال الجديدة ان تفكر فى وضع دستورها بطرق جديدة، فعالم اليوم ليس عالم 1951 وسكان ليبيا اليوم ليسوا هم سكان ليبيا عام 1951، وعصر الفضائيات وحقوق الانسان والعولمة كلها تتطلب خطابا سياسيا جديدا، وتتطلب دستورا عصريا يستجيب ويلبى ما يريده الشعب الليبى الذى يعانى من التغييب والتهميش لأكثر من ثلاثة عقود عجاف.
ان المرحلة فى حاجة الى مؤتمر وطني، او ندوة وطنية لوضع تصورات لمشروع دستور جديد يحدد رؤية واضحة عن دولة ليبيا المستقبل، دولة القانون والتعددية السياسية ( الأحزاب ) وحرية الصحافة، والانتخابات عبر صناديق الاقتراع، وغير ذلك من شروط بناء الدولة التى يتطلع اليها الاحرار الشرفاء من ابناء وبنات ليبيا.
يجب الا نستغرب او نندهش ان تبادر القيادة السياسية فى ليبيا باصدار توجيه نحو وضع دستور للبلاد، بل يجب الا نستبعد ان تدعو تلك القيادة الى انتخاب رئيس للبلاد على الطريقة الايرانية ومن الحزم ان يستعد اهل الرأي والسياسة الى التعامل مع ما يحمله المستقبل من احتمالات.
الموضوع مقتبس من الموقع:
http://www.libya-almostakbal.com/MinbarAlkottab/September2005/mahmudMa180905.htm

anarisse

المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 23/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى